فخر الدين الرازي
23
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سورة الفاتحة تفسير البسملة : وأما قوله جل جلاله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ففيه نوعان من البحث : النوع الأول : قد اشتهر عند العلماء أن للّه تعالى ألفا وواحدا من الأسماء المقدسة المطهرة ، وهي موجودة في الكتاب والسنة ولا شك أن البحث عن كل واحد من تلك الأسماء مسألة شريفة عالية ، وأيضا فالعلم بالاسم لا يحصل إلا إذا كان مسبوقا بالعلم بالمسمى ، وفي البحث عن ثبوت تلك المسميات ، وعن الدلائل الدالة على ثبوتها ، وعن أجوبة الشبهات التي تذكر في نفيها مسائل كثيرة ، ومجموعها يزيد على الألوف ، النوع الثاني : من مباحث هذه الآية : أن الباء في قوله بِسْمِ اللَّهِ باء الإلصاق ، وهي متعلقة بفعل ، والتقدير : باسم اللّه أشرع في أداء الطاعات ، وهذا المعنى لا يصير ملخصا معلوما إلا بعد الوقوف على أقسام الطاعات ، وهي العقائد الحقة والأعمال الصافية مع الدلائل والبينات ، ومع الأجوبة عن الشبهات ، وهذا المجموع ربما زاد على عشرة آلاف مسألة . ومن اللطائف أن قوله ( أعوذ باللّه ) إشارة إلى نفي ما لا ينبغي من العقائد والأعمال ، وقوله بِسْمِ اللَّهِ إشارة إلى ما ينبغي من الاعتقادات والعمليات ، فقوله بِسْمِ اللَّهِ لا يصير / معلوما إلا بعد الوقوف على جميع العقائد الحقة ، والأعمال الصافية ، وهذا هو الترتيب الذي يشهد بصحته العقل الصحيح ، والحق الصريح . نعم اللّه تعالى التي لا تحصى : أما قوله جل جلاله الْحَمْدُ لِلَّهِ فاعلم أن الحمد إنما يكون حمدا على النعمة ، والحمد على النعمة لا يمكن إلا بعد معرفة تلك النعمة ، لكن أقسام نعم اللّه خارجة عن التحديد والإحصاء ، كما قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] ولنتكلم في مثال واحد ، وهو أن العاقل يجب أن يعتبر ذاته ، وذلك لأنه مؤلف من نفس وبدن ، ولا شك أن أدون الجزءين وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن ، ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريبا من خمسة آلاف نوع من المنافع والمصالح التي دبرها اللّه عز وجل بحكمته في تخليق بدن الإنسان ، ثم إن من وقف على هذه الأصناف المذكورة في « كتب التشريح » عرف أن نسبة هذا القدر المعلوم المذكور إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط ، وعند هذا يظهر أن معرفة أقسام حكمة الرحمن في خلق الإنسان تشتمل على عشرة آلاف مسألة أو أكثر ، ثم إذا ضمت إلى هذه الجملة آثار حكم اللّه تعالى في تخليق العرش والكرسي وأطباق السماوات ، وأجرام النيرات من الثوابت والسيارات ، وتخصيص كل واحد منها بقدر مخصوص ولون مخصوص وغير مخصوص ، ثم يضم إليها آثار حكم اللّه تعالى في تخليق الأمهات